محمد طاهر الكردي
465
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
صلى اللّه عليه وسلم لخالد والزبير حين بعثهما : لا تقاتلوا إلا من قاتلكم . ولما انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حمراء وإنه ليضع رأسه تواضعا للّه وشكرا له حين رأى ما أكرمه اللّه به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل . العثنون - بالعين المهملة والثاء المثلثة والنونين بينهما واو - اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين ، أو نبت على الذقن وتحته سفلا ، أو هو طولها وشعيرات طوال تحت حنك الإبل كذا في القاموس . ولما وقف صلى اللّه عليه وسلم هناك قال أبو قحافة وقد كف بصره لابنة له من أصغر ولده ، وهو على أبي قبيس مشرفا عليه : أي بنية ، ماذا ترين ؟ قالت : أرى سودا مجتمعا . قال : تلك الخيل . قالت : وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا . قال : أي بنية ، ذاك الوازع - يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها . ثم قالت : قد واللّه انتشر السواد . فقال : قد واللّه إذا دفعت الخيل ، فأسرعي بي إلى بيتي . فانحطت به ، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته ، وفي عنق الجارية طوق من ورق فتلقاها رجل فقطعه من عنقها . قال : فلما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتاه أبو بكر بأبيه يقوده ، فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه . فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه . قال : فأجلسه بين يديه ، ثم مسح صدره ، ثم قال له : أسلم . فأسلم . ورآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكأن رأسه ثغامة ، فقال : غيّروا هذا من شعره وسيجيء . ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال : أنشد اللّه والإسلام طوق أختي ، فلم يجبه أحد . فقال : أي أخية احتسبي طوقك فو اللّه إن الأمانة اليوم في الناس قليل . ولم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال ، وأما خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة ، فلقيه قريش وبنو بكر ، والأحابيش فقاتلوه ، فقتل منهم قريبا من عشرين رجلا ، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة وانهزموا ، وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد ، وقرب قضيضهم حتى دخلوا الدور ، وارتفعت طائفة منهم على الجبال ، واتبعهم المسلمون بالسيوف ، وهربت طائفة منهم إلى البحر وإلى صوب اليمن ، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أواخر المهاجرين حتى نزل بأعلى مكة وضربت له هناك قبة .